ابن الوزان الزياتي

179

وصف افريقيا

وهكذا دخلت عليه وقبلت يده من جديد ، وبعد ان أسمعته أكثر عبارات المجاملة قدمت له الهدايا وقد كان لها أكبر انشراح عارم على نفسه ، كما لاحظت ذلك . وأخيرا قدمت له قصيدة عمي التي طلب من أحد كتابه قراءتها . وبينما كان هذا يشرح له ما كانت تتضمنه القصيدة نقطة نقطة لمحت على وجه الأمير علائم الفرح الشديد . وعندما انتهت القراءة والترجمة ، جلس الأمير لتناول طعامه وأجلسني على مقربة منه . وكانت الوجبة تتألف من لحم خروف مشوي ومسلوق مغلف برقائق عجينة غاية في الرقة « 298 » ، تشبه نوعا من الفطائر الإيطالية المسماة لازانيا Lasagne ولكنها أكثر منها سماكة وتماسكا ثم جيء بالكسكسي والفتات وأنواع طعام أخرى لم أعد أتذكرها الآن مطلقا . وبعد أن فرغنا من تناول الطعام نهضت وقلت : « لقد أرسل عمي لسموكم هدية صغيرة ، كتلك التي يستطيع أن يقدمها عالم فقير ، كي يعبر لكم عن حسن نيته التي يحس بها ولكي تحتفظوا له بخير صغير في ذاكرتكم . أما بالنسبة لي ، أنا ابن أخيه وتلميذه ، لما كنت أفتقر لوسيلة أثني بها عليكم ، فليس لي ما أقدمه سوى الكلمات . ومهما كانت ضآلتي في الواقع ، فإني أتمنى أن أكون محسوبا بين خدام معاليكم » . وبعد ان قلت كلمتي هذه ، أخذت بإلقاء قصيدتي ، وفي أثناء القراءة كان الأمير يطلب تارة شرح ما استعصى عليه فهمه ، وتارة أخرى كان ينظر إلي ، انا الذي لم أكن أكثر من فتى له من العمر ستة عشر عاما . « 299 » ولما فرغت من قراءتي ، ودعني ، لأنه كان متعبا من الصيد وكانت ساعة النوم قد أزفت . وفي صبيحة الغد دعاني في وقت مبكر لتناول الفطور معه . وبعد أن تناولنا طعامنا ، أعطاني مائة دينار لتسليمها إلى عمي وعبدين ليخدماه في أثناء رحلته . وأعطاني شخصيا هدية مقدارها خمسون دينارا وحصانا ، وأعطى عشرة دنانير لكل من الشخصين اللذين كانا يرافقاني وكلفني ان انقل إلى عمي بأن هذه الهدايا البسيطة كانت بمثابة شكر على قصيدته وليست تعويضا عن الهدايا التي تلقاها من طرفه ، لأنه يحتفظ له بمظاهر عرفانه العميق عندما يعود عمي من تومبوكتو . وأمر أحد كاتبيه بأن يرشدني إلى الطريق ، وصافحني وأذن لي بالسفر في صبيحة ذلك اليوم ذاته إذ كان عليه ان يقوم بحملة ضد أحد خصومه . وحملت أطيب ذكرى عن مضيفي وعدت إلى جوار عمي . وقد حرصت على

--> ( 298 ) الفتات وجبة طعام مؤلفة من لحم ومن قطع خبز ، ولا تزال مرغوبة جدا . ( 299 ) وردت هذه العبارة في ترجمة تامبورال ( أول من ترجم كتاب الحسن إلى الفرنسية ) بهذا النص « الذي لم يكن سنه يتجاوز سبعة عشر عاما » ( تامبورال ، ص 99 طبعة ليون سنة 1556 ) .